الإثنين , نوفمبر 30 2020

معتصم راشد يكتب عن عود الثقاب الذي سيشعل الأزمة العالمية القادمة

“الديون هي ثقاب الكبريت التي تشعل نار أي أزمة”، على حد تعبير المؤرخ “آرون روس سوركين” الذي كان بين أبرز من وثقوا وحللوا أحداث انهيار النظام المالي العالمي قبل أكثر من عقد زمني.

سواء كان الأشرار في القصة هم المصرفيون أو الجهات التنظيمية أو الساسة أو وكالات التصنيف الائتماني، يبقى العنصر المشترك دائمًا هو الإفراط في الاستدانة، رغم أن الشركات أنهت العقد الماضي على خير بفضل سهولة الاقتراض.

لكن يرى الخبراء أن اقتصادات العالم الكبرى بها بؤر توتر محتملة، ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال، تجاوزت قروض الرافعة المالية -الائتمان عالي المخاطر المقدم للشركات المثقلة بالديون والتي باتت فرص تخلفها عن السداد أكبر- حاجز التريليون دولار.

وفي الصين، ارتفعت ديون الشركات المدعومة من الدولة جنبًا إلى جنب مع حالات التعثر عن السداد، وفي الوقت نفسه، في جميع أنحاء الأسواق المتقدمة، باتت الديون مرتفعة المخاطر أرخص بفضل بحث المستثمرين عن العائد، ما خفض تكلفة الديون ذات التصنيف الائتماني المتدني.

ومع تراجع تكلفة الديون منخفضة التصنيف، تضخم السوق وجعل المستثمرين عرضة لانهيار محتمل، ويقول مصدر رفيع المستوى في إحدى وكالات التصنيف الرئيسية لـ”التلغراف”: لا يمكننا تحديد توقيت الانهيار، لكن عندما يحدث، سيكون الأمر سيئًا.

يضيف المصدر للصحيفة: لقد تحدثنا عن هذا الأمر لمدة عامين، ونحن الآن في منطقة الخطر، لقد حضرت العشرات من الاجتماعات مع العملاء الذين يتحدثون عن هذه المشكلة، ثم يغادرون ليشتروا المزيد من الديون وفقًا لفروق الأسعار، أعتقد أنه أمر سخيف.

مطاردة العائد
– في الثامن من يناير، قال باحثون لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، إن زيادة مبيعات ديون الشركات الأكثر خطورة، يدفع نحو مزيد من المخاوف بشأن الاستقرار المالي، محذرين من أن ضعف النمو قد يدفع المستثمرين للتخلص من هذه الأصول بشكل فوضوي.

إقرأ أيضاً  لتوفير الخدمات لسكان الإسكان الاجتماعي.. بيع 4 محال تجارية و6 وحدات إدارية بـ ٦ أكتوبر الجديدة

– التقرير الذي نشره الفيدرالي على مدونة تابعة له، أكد المخاوف التي ترددت في السنوات القليلة الماضية من قبل بعض صناع السياسيات والمستثمرين حول تزايد معدلات اقتراض الشركات، حيث انخفضت تكلفة الاستدانة بعد عقد من خفض الفائدة وتخفيف السياسة.

– أشار التقرير إلى أن شركتين فقط تحظيان بتصنيف “AAA” لم يتغير قط في الولايات المتحدة، وهما “جونسون آند جونسون” و”مايكروسوفت”، ومع ذلك كانت هناك زيادة مفاجئة وحادة في سندات الشركات ذات التصنيف الائتماني المنخفض لحد الخطر.

– في الولايات المتحدة، سجلت السندات ذات التصنيف “BBB” عائدًا نسبته 15.9% خلال العام الماضي، متفوقة على 14.2% سجلتها السندات ذات الدرجة الاستثمارية، و14.4% للديون مرتفعة العائد.

– يقول باحثو الفيدرالي في نيوريورك: تتراجع أسعار السندات بالفعل لأن آفاق سوق الائتمان مشوهة بسبب الضغوط المتزايدة من عمليات البيع، واحتمالية خفض الدرجة الائتمانية لقدر كبير من سندات الخزانة تهدد الاستقرار المالي.
في الصين.. جبال من الديون
– ظلت الصين لفترة طويلة، المحرك الرئيسي للاقتصاد العالمي، لكن في 2019 انخفض معدل النمو إلى أدنى مستوياته في 30 عامًا، ومن المتوقع أن يتباطأ أكثر هذا العام إلى ما دون 6%، وذلك بعد تسارع استدانة الشركات على مدار العقد الماضي.

– وفقًا لبنك التسويات الدولية، قفز رصيد ديون الشركات والمؤسسات المملوكة للدولة إلى 21 تريليون دولار بحلول منتصف عام 2019، من 4.2 تريليون دولار خلال عام 2008.

– على مستوى العالم، تبلغ ديون الشركات كحصة من الناتج المحلي الإجمالي 95%، لكن إذا تم استبعاد الشركات الصينية المثقلة بالأعباء، تنخفض هذه النسبة إلى 80% فقط، علمًا بأن حالات التخلف عن السداد آخذة في التزايد.

– خلال العشرة أشهر الأولى من عام 2019، تخلفت الشركات الخاصة وتلك المدعومة من الدولة في الصين، عن سداد قيمة سندات بنحو 100 مليار يوان (14.5 مليار دولار)، متجاوزة المستوى المسجل على مدار عام 2018 بأكمله.

إقرأ أيضاً  عمرو عرفة: أفريقيا بيضاء بإذن الله

– قالت وكالة التصنيف الائتماني “ستاندرد آند بورز” إن الحكومة لا تمتلك الوسائل اللازمة لدعم جميع الشركات المملوكة لها، خاصة في ظل ضعف الاقتصاد وتراجع عائدات الضرائب.

– وفقًا للخبير الاقتصادي لدى “كابيتال إيكونوميكس”، “سايمون ماك آدم”، فإن تزايد الديون في معظم الاقتصادات سيؤدي إلى أزمة مالية، ومع ذلك، يرى أن الصين في وضع أفضل من الأسواق الناشئة الأخرى، ولديها قدرة أكبر على احتواء التداعيات بسبب انخفاض ديونها السيادية وارتباطها الضعيف بأسواق العملات الأجنبية.

للغرب مشاكله الخاصة
– يواجه الغرب مشكلات الديون الخاصة به، والتي تدق أجراس الإنذار من لندن إلى واشنطن، والسبب الرئيسي كالعادة التعطش للعائدات وانخفاض تكلفة الاقتراض بفعل تراجع الفائدة، مما شجع الشركات المثقلة بالفعل على المزيد من التوسع في الاستدانة.

– وفقًا لـ”بلومبيرغ”، فإن سندات الشركات ذات الدرجة الاستثمارية الأدنى زادت في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ومنطقة اليورو إلى 3 تريليونات دولار تقريبًا منذ عام 2010.

– على أي حال، تعتمد صحة الشركات عالية الاستدانة على قدرتها على إعادة التمويل، وفي ظل انخفاض أسعار الفائدة يبدو ذلك ممكنًا، ولا يتوقع أغلب المحللين أن يكون الركود هو الذي يدفع الشركات إلى الانهيار مع تدهور الاقتصاد العالمي.

– مع ذلك، فإن تهديدات الديون المتضخمة تشكل إنذارًا خطيرًا للجميع، خاصة في ظل آفاق هشة وأوضاع قابلة للتدهور في أي لحظة، ويحذر المحللون من أن استمرار تدهور جودة الائتمان قد يعني ركودًا حادًا، عند خفض تصنيف هذه السندات إلى درجة “خردة” أو غير مرغوبة.

وللحديث بقية..
معتصم راشد

المصدر البشاير