الممر

منذ فترة طويلة لم أشاهد عملا فنيا متقنا وهادفا وله أثر نفسي عميق حتى شاهدت الممر، فيلم يعيد للسينما المصرية التي توثق التاريخ هيبتها، فيلم لا يجسد فقط حدث تاريخي إنما يجسد الجانب النفسي أيضًا ومفهوم الهزيمة وتأثيرها السلبي الذي يحطم العزيمة، وطرق الخروج منها للوصول إلي أمل النصر من جديد.
الفيلم يمثل حالة أكثر من واقع حربي لحقبة زمنية مرت بها مصر خلال فترة النكسة وحرب الاستنزاف ، فهو يمثل حالة من التشتت بين أفراد الشعب المصري وصفوف الجيش وعدم التصديق للواقع الذي حدث ، وكيف يمكن بالدعم النفسي بكلمات ولو بسيطة تحويل اليأس لطاقة إيجابية تجدد الإيمان وتقوي العزيمة من جديد.
من الطبيعي أن تمر فترات انتكاس في حياة الشعوب بصفة عامة وفِي حياة الأفراد بصفة خاصة، ولكن كيف يتم تحويل اليأس والانكسار إلي طاقة متجددة وإصرار علي الانتصار؟ الكلمة هي السر ،، فالمثل القائل الكلمة نور وبعض الكلمات قبور هو مثل حقيقي وواقعي ، كلمات قليلة حولت بها الفنانة هند صبري التي جسدت دور زوجة الضابط نور الذي أصيب باليأس والإحباط من الهزيمة والانسحاب واستشهاد بعض الضباط والعساكر بصورة غادرة أمام عينيه أدي به إلي الرغبة في الانعزال وعدم التفاعل مجددًا مع الحياة بصفة عامة ومع أسرته الصغيرة التي تمثل المجتمع بالنسبة له بصفة خاصة، جسدت له مشاعره بكلمات بسيطة ،، فوصفت ما يحدث له بأنه كابوس سوف ينتهي ، فتنبه لما قالته وهدأت روحه، وهو تجسيد رائع للدور المهم لزوجة الضابط في دعمه النفسي وامتصاص غضبه وسخطه علي إحساسه بالهزيمة.
ويأتي مشهد السنترال ليوضح كم المعاناة التي يعيشها ضابط الجيش وقت الحروب من شركائه في الوطن ،، من يتابعون الأحداث ويلقون اللوم علي الضباط المقاتلين في وقت نحتاج فيه جميعًا للتكافل ، فما حدث من رد فعل الناس في السنترال هو ما يحدث علي مدار سنوات طويلة تخللتها كبوات متعددة تسبب فيها الإرهاب ، فيتجه البعض إلي السخرية في الوقت الذي يحتاج فيه المقاتلون الدعم والمساندة، فيأتي دور امتصاص الأزمة الذي جسده الفنان شريف منير بحرفية مطلقة، علي الرغم من صغر الدور الذي اختُزِل في مشاهد محددة لم تستغرق بضع دقائق في الفيلم إلا أنه دور ملهم ورسالة قوية لضرورة وجود مجموعة مؤهلة لإدارة الأزمات وامتصاص الصدمات وتوضيح الأمور لإزالة الفجوة التي تحدث بين الشعب وحماة الوطن وقت الكبوات.
التصوير أبدع في تجسيد المشهد ، الإضاءة والديكور أعادت الزمن لحقبة لم نعيشها بأعمارنا ولكنها جسدت البيوت المصرية والشوارع والروح البسيطة للشعب المصري ، الملابس تناسبت مع الفترة الزمنية التي جسدها الفيلم، أما الأبطال فقد أبدع كل منهم في دوره ولَم نشعر إلا بأنه عمل متكامل يجسد بطولة جماعية باحتراف، وأكثر ما يمكن الإشادة به هو الدور الرائع للشركة المنتجة في تناول هذا الموضوع في ظل فترة الانحدار الدرامي الذي نمر بها وخصوصًا بعد شهر رمضان المبارك الذي أصاب العديد من الشعب المصري بالإحباط بعد ماراثون المسلسلات العجيبة التي عايشناها فكان بحق فيلم الممر هدية العيد التي فاجئت الجميع.أعز الله مصر وشعبها وجيشها وأدام عليهم النصر والإيمان والصمود وقت الشدة، وكل التحية لجميع القائمين والمشاركين في هذا العمل الرائع.

المصدر صدى البلد