الرئيسية / الاسرة / الرسول وتعدد الزوجات.. ورقة من كتاب “عبقرية محمد”

الرسول وتعدد الزوجات.. ورقة من كتاب “عبقرية محمد”

أرأيت إلى السمك وهو يعبر الماء الملح في موسمه المعلوم فيطوي ألوفًا من الفراسخ ليصل إلى فرجة نهر عذب يجدد فيها نسله ثم يعود أدراجه؟.. أرأيت إلى العصفور وهو يبتني عشه ويعود من هجرته إلى وطنه؟ .. أرأيت إلى الزهر وهو يتفتح ليغري الطير والنحل بنقل لقاحه؟.. أسئلة طرحها الكاتب عباس العقاد في كتابه عبقرية محمد للرد على المدعين بأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج النساء من أجل حبه لهن فقط.
يقول كاتبنا الكبير عباس العقاد في كتابه الشهير عبقرية مُحمد، عن مسألة تعدد الزوجات في حياة النبي :
هنا يعرض لنا الكلام عن تعدد زوجات النبي، وهو الهدف الثاني الذي يرميه المشهورون بالإسلام، فكثيرون من رميه كلما تكلموا عن أخلاق محمد عليه الصلاة والسلام وذكروا منها ما يزعمونه منافيًا لشمائل النبوة، مخالفًا لما ينبغي أن يتصف به هداة الأرواح..
السيف والمرأة!
كأنهم يريدون أن يجمعوا على النبي بين الاستسلام للغضب والاستسلام للهوى، وكلاهما بعيد من صفات الأنبياء.. أما السيف فقد أسلفنا الكلام فيه. أما المرأة فالظنة فيها أضعف من الظنة في السيف على ما نراه، لأن الاستسلام للشهوة آخر شئ يخطر على بال الرجل المحقق- مسلمًا كان أو غير مسلم – حين يبحث في تعدد زوجات النبي، وفيما يدل ذلك عليه ذاك التعدد وقيما اقتضاه.

قال لنا بعض المستشرقين إن تسع زوجات لدليل على فرط الميول الجنسية.. قلنا إنك لا تصف السيد المسيح بأنه قاصر جنسيًا لأنه لم يتزوج قط.. فلا ينبغي أن تصف محمدًا بأنه مفرط الجنسية لأنه جمع بين تسع نساء.
ونحن قبل كل شئ لا نرى ضيرًا على الرجل العظيم أن يحب المرأة ويشعر بمتعتها.. هذا سواء الفطرة لا عيب فيه، وما من فطرة هي أعمق من طبائع الأحياء عامة من فطرة الجنسين والتقاء الذكر والأنثى، فهي الغريزة التي تلهم الحي في كل طبقة من طبقات الحياة ما لا تلهمه غريزة أخرى. أرأيت إلى السمك وهو يعبر الماء الملح في موسمه المعلوم فيطوي ألوفًا من الفراسخ ليصل إلى فرجة نهر عذب يجدد فيها نسله ثم يعود أدراجه؟.. أرأيت إلى العصفور وهو يبتني عشه ويعود من هجرته إلى وطنه؟ .. أرأيت إلى الزهر وهو يتفتح ليغري الطير والنحل بنقل لقاحه؟.. أرأيت إلى سنة الحياة في كل طبقة من طبقات الأحياء؟.. ما هي سنتها إن لم تكن هي سنة الألفة بين الجنسين؟ .. وأين يكون سواء الفطرة إن لم يكن على هذا السواء.
فحب المرأة لا معابة فيه..
هذا هو سواء الفطرة لا مراء..
وإنما المعابة أن يطغى هذا الحب حتى يخرج عن سوائه، وحتى يشغل المرء عن غرضه، وحتى يكلفه شططًا في طلابه فهو عند ذلك مسخ للفطرة المستقيمة يعاب كما يعاب الجور في جميع الطباع..

فمن الذي يعلم ما صنع النبي في حياته ثم يقع في روعه أن المرأة شغلته عن عمل كبير أو عن عمل صغير؟
مَن مِن بناة التاريخ قد بنى حياته وبعد مماته تاريخيًا أعظم من تاريخ الدعوة المحمدية والدول الإسلامية ؟
ومن ذا الذي يقول إن هذا عمل رجل مشغول؟
عم شغلته المرأة؟ ومن ذا نفرغ لعظيم من المسعى فبلغ فيه شأو محمد مسعاه؟.. فإن كانت عظمة الرجل قد أتاحت له أن يعطي الدعوة حقها ويعطي المرأة حقها فالعظمة رجحان وليست بالنقص، وهذا الاستيفاء السليم كمال وليس بعيب. ورسالة محمج إذن هي الرسالة التي يتلقاها أناس خلقوا للحياة ولم يخلقوا نابذين لها ولا منبوذين منها.. فليست شريعة هؤلاء بالشريعة المطلوبة فيما يخاطب به عامة الناس في عامة العصور.
وأعجب شئ أن يقال عن النبي إنه استسلم للذات وقد أوشك أن يطلق نساءه أو يخبرهن في الطلاق لأنهن طلبن إليه من النفقة وهو لا يستطيعها. فقد شكون- على فخرهن بالانتماء إليه- أنهن لا يجدن نصيبهن من النفقة والزينة، واجتمعت كلمتهن على الشكوى واشتددن فيها حتى وجم النبي وهو بتسريحهن، أو بتخييرهن بين الصبر على معيشتهم والتسريح.
اقرأ أيضًا… صلاة الحاجة ومشروعيتها وكيفية قضاء صلاة الحاجة ودعاء صلاة الحاجة وعدد ركعاتها

وذهب إليه أبو بكر يومًا "يستأذن عليه فوجد الناس جلوسًا لا يؤذن لأحد منهم ثم دخل أبو بكر وعمر من بعده، فوجدوا النبي جالسًا وحوله نساؤه واجمًا ساكنًا. فأراد أبو بكر أن يقول شيئًا يسرى عنه، فقال : " يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة! سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها" فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : "هن حولي كما ترى يسألنني النفقة!.. فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنها وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها ويقولان : "تسألن رسول الله ما ليس عنده؟"
فقلن: "والله لا نسأل رسول الله شيئًا أبدًا ليس عنده" ثم اعتزلهن الرسول.
شهرًا أو تسعة وعشرين يومًا فنزلت بعدها الآية التي فيها التخيير وهي " القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا" (28)
فبدأ الرسول بعائشة فقال لها: "يا عائشة .. إني أريد أن أعرض عليك أمرًا أحب ألا تتعجلي فيه تستشيري أبويك"
قالت : "وما هو يا رسول الله" قتلا عليه الآية
قالت: "أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ .. بل أختار الله ورسوله والدرا الآخرة.." ثم خير نساءه كلهن فأجبن كما أجابت عائشة، وقنعن بما هن فيه من معيشة كان من زوجات المسلمين يظرفون بما هو أنعم منها.
علام يدل ذلك؟!
نساء محمد يشكون قلة النفقة والزينة، ولو شاء لأغدق عليهن النعمة وأغرقهن في الحرير والذهب وأطايب الملذات.
أهذا فعل رجل يستسلم للذات حسه؟
أما كان يسيرًا عليه أن يفرض لنفسه ولأهله من الأنفال والغنائم ما يرضيهن ولا يغضب المسلمين، وهم موقنون أن إرادة الرسول من إرادة الله؟..
وماذا كلفه الاحتفاظ بالنساء حتى يقال إنه كان يفرط في ميله إلى النساء؟
هل كلفه أن يخالف ما يحمد من سننه أو يفرط ميله إلى النساء؟
هل كلفه أن يخالف ما يحمد من سننه أو يخالف ما يحمد من سيرته أو يترخص فيما يرضاه أتباعه ولا ينكرونه عليه؟
لم يكلفه شيئًا من ذلك، ولم يشغله عن جليل أعماله وصغيرها، ولم نر هنا رجلًا تغلبه لذات الحس كما يزعم المشهورون، بل رأينا رجلًا يغلب تلك الملذات في طعامه ومعيشته وفي ميله إلى النساء، فيحفظها بما يملك منها ولا يأذن لها أن تسومه ضريبة مفروضة عليه، ولو كانت هذه الضريبة بسطة في العيش قد ينالها أصغر المسلمين، ولا شك في قدرة النبي عليها لو أراد.

المصدر اهل مصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *