الإثنين , سبتمبر 28 2020

فورين بوليسي: لماذا يتكتم نظام الأسد على حقيقة وضع كورونا في سوريا؟

فورين بوليسي: لماذا يتكتم نظام الأسد على حقيقة وضع كورونا في سوريا؟

كتبت- هدى الشيمي:

على مدار حوالي 10 أعوام أُجبرت سوريا على التعامل مع الحرب، والعقوبات، والأزمات الاقتصادية، وزاد انتشار فيروس كورونا المُستجد الطين بلّة. قالت مجلة فورين بوليسي إن الفيروس التاجي يتفشى في دمشق على نطاق واسع، مع ذلك يرفض النظام السوري الاعتراف بالأزمة، والكشف عن حقيقة الأوضاع.

وأضافت المجلة الأمريكية أنها وجدت مجموعة من الأدلة التي تثبت مأساوية وضع وباء كوفيد-19 في سوريا ما يُهدد بحدوث أزمة خطيرة، من بينها إصدار شهادات وفاة لمُصابي كورونا تقول إنهم لقوا حتفهم بسبب أمراض في الجهاز التنفسي، كما حدث مع أنس العبدالله.

في تمام الساعة الرابعة عصر يوم 20 يوليو الماضي، شعر أنس العبدالله، اسم مُستعار، بالإنهاك الشديد وارتفعت درجة حرارته وأصيب بالحمى، فتوجه إلى مستشفى المجتهد بدمشق، وفي غضون 12 ساعة توفي ودُفن بعد فترة وجيزة مقبرة نجها بالصحراء على مشارف العاصمة.

1

تشتهر مقبرة نجها بأنها المكان الذي دفن فيه النظام، حسبما نقلت فورين بوليسي، مئات الآلاف من ضحايا السجون الذين تعرضوا للتعذيب، ومع ذلك كشفت صور التقطتها الأقمار الصناعية وصور أخرى انتشرت على مواقع الإنترنت أن هذا الموقع تحول إلى المثوى الأخير للسوريين الذين لقوا حتفهم بعد إصابتهم بفيروس كورونا.

أخبر الأطباء أسرة أنس أنه توفى جراء إصابته بكوفيد-19، وأنهم حصلوا على موافقة الحكومة لدفنه في مقبرة نجها، ولكنهم كتبوا في شهادة الوفاة- وفقًا لفورين بوليسي- إنه توفي بسبب إصابته بالتهاب رئوي، ما ترك العائلة المكلومة في حيرة.

"نقص حاد في المعدات"

كان والد أنس رجل دين مُتمرد دعم الثورة ضد بشار الأسد، لاحقته أجهزة الاستخبارات لفترة، ما دفعه إلى الهروب إلى قطر هربًا من الاعتقال أو التعذيب، على عكس أنس الذي قبل حكم الأسد الوحشي وبقى في وطنه.

لم يستهدف نظام الأسد أنس، ولكنه قُتل إثر إصابته بعدوى فيروس كورونا. قال شقيقه، لفورين بوليسي إن أنس توفي لأنه عجز عن التقاط أنفاسه لأنه لم يوضع على جهاز تنفس صناعي في واحدة من أكبر ثلاث مستشفيات في العاصمة دمشق، والتي من المُفترض أن تكون مُجهزة ومُعدة للتعامل مع مُصابي فيروس كورونا.

"في البداية وضعه الأطباء على جهاز التنفس ولكنهم أبعدوه عنه من أجل انقاذ شخص آخر، وهذا ما تسبب في وفاته" حسبما قال شقيق أنس مُشيرًا إلى أن العائلة لا تعلم ما إذا كان الأطباء يخفون السبب الحقيقي للوفاة لمساعدة الحكومة على إبقاء احصائيات مُصابي ووفيات كورونا مُنخفضة.

وفقًا للنظام السوري، فإن عدد الحالات الإيجابية المُسجلة بفيروس كورونا يبلغ 2,628 وتوفي 106 جراء المرض الذي أصاب أكثر من 25 مليون حالة حول العالم، غير أن عشرات السوريين الذين تحدثت معهم فورين بوليسي يؤكدون أن هذا الرقم لا يعد جزءً بسيطًا من إجمالي الإصابات والوفيات جراء المرض.

2

في الوقت نفسه، يخشى أعداد كبيرة من السوريين الابلاغ عن إصابتهم بكورونا، فيما يشكو العاملون في قطاع الصحة من عدم القدرة على تعقب المرضى، علاوة على صعوبة القيام بعملهم في ظل النقص الحاد في معدات الأمن والسلامة التي يحتاجون إليها للحفاظ على حياتهم وحياة مرضاهم.

أصاب كوفيد-19 حتى الآن حوالي ستة من كبار رجال الدين في دمشق، وثلاثة إعلاميين، وقاضيين، والعديد من أعضاء اللجنة الدستورية السورية.

ووجدت المجلة الأمريكي قرار الأردن المجاور بإغلاق حدوده الشمالية مع سوريا، تبعد حوالي 70 ميل عن دمشق، دليل آخر على تفاقم أزمة فيروس كورونا في سوريا، لاسيما وأن عمان اتخذت هذا القرار بعدما لاحظت ارتفاع عدد الإصابات وانتشار المرض في الأراضي السورية.

"المعتقلات ومراكز الحجر الصحي"

قاد الحديث مع شقيق أنس المجلة الأمريكية إلى عشرات الأشخاص الذين يعيشون في الحجر الصحي في حي الميدان بدمشق، حيث كان يعيش الشاب قبل وفاته، وزعم هؤلاء الأشخاص أنهم على علم بإصابة مئات الأشخاص الآخرين بالإصابة بالفيروس.

ظهرت بعض أعراض كوفيد-19 على جار أنس وابن عمه، ولكنهم فضلوا عزل أنفسهم في بيوتهم متجنبين الذهاب إلى المستشفيات التي يديرها النظام، وقال ابن عم أنس: "أخشى من الذهاب إلى مراكز العزل، إنها لا تختلف شيئًا عن السجون، أخاف من الحكومة".

وأضاف الجار: "مراكز العزل تُشبه مراكز الاحتجاز والمُعتقلات التي يعذبون فيها المدنيين ويتركونهم يموتون". تعكس تعليقات أقارب أنس، حسب فورين بوليسي، الخوف الشديد الذي يشعر به السوريون إزاء حكومتهم، فعلى مدار سنوات طويلة كانوا عُرضة للاعتقال، والاضطهاد، يُلقى بهم داخل الزنازين إذا ساور النظام أي شك إزاء ولائهم للأسد.

3

"اخفاء حقيقة الأزمة"

قال جراح عظام في مستشفى المجتهد، لم تكشف فورين بوليسي عن هويته، إنه فقد والده إثر إصابته بكوفيد-19، وهو الآن يعاني من أجل إجراء فحوصات لـ30 من أقاربه الآخرين الذين تظهر عليهم أعراض المرض بوضوح.

حسب الطبيب فإن المسؤولين من وزارة الصحة لم يضعوا أي استراتيجية لتتبع المخالطين للمصابين أو العمل على الحد من انتشار الفيروس. وقال: "تحتاج المستشفيات إلى اختبار حوالي 10 آلاف شخص يوميًا، ولكننا نكون محظوظين إذا تمكنّا من اختبار 10 % فقط".

يوجد في مستشفى المجتهد من 13 إلى 15 جهاز تنفس، وحوالي 130 جهاز في دمشق. وقال الطبيب إن الحكومة السورية تعلم جيدًا مدى مأساوية الوضع ولكن لا أحد يعلم لماذا ترفض الاعتراف بالوضع الحقيقي.

4

"الفيروس وشرعية الأسد"

قال مصدران لفورين بوليسي إن المنطقة المُحيطة بدمشق مليئة بأفراد من الحرس الثوري الإيراني ومقاتلي حزب الله الشيعي اللبناني. وزعم بسام بربندي، الدبلوماسي السوري السابق، إن تفشي الوباء في الأراضي السورية ناتج عن زيارات الإيرانيين، وقال: "لقد انتقل المركز الآن من إيران إلى سوريا".

وأصبحت الأوضاع أكثر سوءًا بعد رفع النظام السوري إجراءات الإغلاق التي فرضها في وقت مبكر في شهر مارس الماضي بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية.

يرى بربندي أن إخفاء مدى مأساوية الوضع محاولة من قبل النظام محاولة لإنقاذ سمعته بين مواليه دون تعريض علاقاته مع إيران للخطر، وقال: "حالات الإصابة بكورونا تؤثر على شرعية النظام".

وأضاف: "سيقول الموالون إن نظام الأسد لا يستطيع توفير الطعام، ولا الكهرباء، والآن يموت الشعب بسبب الفيروس، لذلك يُخفون الحقيقة، لإعطاء انطباع بأن كل شيء تحت السيطرة".

5

"تحدي كبير"

مدت مُنظمة الصحة العالمية سوريا بحوالي 4.4 من معدات الوقاية الشخصية مثل الأقنعة والقفازات والمطهرات، وتتأكد من إجراء 1000 اختبار على الأقل يوميًا، في الوقت نفسه أقرت المنظمة بأن وضع الوباء في سوريا يحتاج إلى بذل المزيد من الجهد.

وقالت الدكتورة أكجمال مختوموفا، رئيس البعثة، ممثل منظمة الصحة العالمية في سوريا، إن النقص الحاد في أعداد العاملين بمجال الرعاية الصحية في الأراضي السورية، الذين فروا خلال الحرب التي استمرت قرابة عشرة أعوام يشكل عقبة رئيسية أمام مكافحة انتشار الفيروس.

وأضافت: "كما أن العقوبات المفروضة على سوريا، وتخفيض الولايات المتحدة لتمويل منظمة الصحة العالمية زاد صعوبة مساعدة الشعب السوري".

المصدر مصراوى