الأربعاء , أكتوبر 21 2020

كيف تكتب مقالا أدبيا والفرق بين المقال والخطبة.. محاضرة لأئمة الأوقاف

أئمة الأوقاف أئمة الأوقاف تواصلت صباح اليوم الاثنين فعاليات الدراسة المنعقدة بأكاديمية الأوقاف الدولية للدفعة الثانية من نظام الدورات المتكاملة (المكون الشرعي)، وكانت المحاضرة الأولى بعنوان: كيف تكتب مقالًا أدبيًا؟ ، وقد ألقاها الدكتور أحمد درويش .
في بداية اللقاء عبر درويش، عن بالغ سعادته لحضوره في هذه الدورة العلمية المتخصصة والمتميزة ، وبهذا الصرح العلمي الكبير "أكاديمية الأوقاف الدولية" مشيدًا بالسادة المتدربين من الأئمة والواعظات واصفًا إياهم بأنهم نخبة ممتازة من الدعاة.
وأشار إلى أهمية اللغة العربية كأحد أهم أدوات الداعية في دعوته، فهي القالب الذي يوصل فيه مادته لجمهوره ، فكلما كان أمكن في اللغة كان أنجح في التواصل مع الجمهور وجذب انتباههم ، مؤكد أن من أهم فنون البلاغة الإيجاز وأنه فن لا يحسنه الأكثرون ، وأن والتكثيف في المعاني مهنة يجب أن يحترفها الدعاة.
كما أوضح أن المقال يتكون في الغالب من مقدمة وصلب الموضوع وخاتمة ، فمن خلال المقدمة يتم جذب انتباه القراء ومساعدتهم على الإلمام بأفكار المقال الرئيسية، بالإضافة إلى إعدادهم نفسيًا لتلقي باقي التفاصيل ، مشيرًا إلى أنه لابد من وجود مقدمات خاصة بالدعاة تظهر بها شخصية الإمام والخطيب .
وأضاف إن الخطيب البارع هو من يستطيع توصيل الفكرة فى وقت يسير وبأخصر الكلمات ، معتمدًا في ذلك على استخدام مصادر موثوقة للمعلومات ، مثل الصحف المعروفة، والخبراء في المجال، والمواقع الحكومية، أو مواقع الجامعات، ويجب الاعتماد على عدة مصادر غير مرتبطة ببعضها للتأكد من دقة المعلومات بشكل كامل ، كذلك والحرص على أن تكون الفقرات قصيرة، وقوية، ومحددة في نفس الوقت ، فالفقرات القصيرة تمنح سهولة القراءة ، بالإضافة إلى دفع القارئ نحو قراءة الفقرات المتتالية الواردة في المقال، بالإضافة إلى ضرورة الانتباه لوضع مسافات فاصلة بين الفقرات ، مؤكدًا أن الثقافة الخاصة للإمام لم تعد مقنعة للجمهور ، فيجب على الداعية أن يكون مقنع للمستمع ، فهو بشكل دائم قارئ مطلع مواكب للأحداث .
وفي ختام المحاضرة أشار إلى الفرق بين الخطبة والمقال، فالمقال متماسك يتعرض لقضية معينة يلم بأطرافها، ويظهر غامضها، ويزيل لبسها، وعليه فهو يعتمد الحقائق لا الخيالات، ويخاطب العقول لا العواطف، ويستهدف العلم، لا الإثارة، ويخص غالبًا المثقفين. أما الخطابة فهي القصد إلى فكرةٍ ورغبةِ تزيين أوضاعها وتحسُّنِ أهدافها، وقد تكون معلومةً من قبل فهي تعمد إلى الإثارة والإقناع، وتخاطب العواطف والشعور وتستهدف الاستمالة، وتعم المثقفين وغيرهم.
ومن جانبه أكد الدكتور هاني تمام المدرس بجامعة الأزهر خلال المحاضرة الثانية وعنوانها " الفهم المقاصدي للسنة النبوية" على ضرورة فهم جوهر رسالة الإسلام وفهم مقاصده، فالإسلام عدل كله, رحمة كله, سماحة كله, تيسير كله, وأهل العلم قديمًا وحديثًا على أن كل ما يحقق هذه الغايات الكبرى هو من صميم الإسلام, وما يصطدم بها أو يتصادم معها إنما يتصادم مع الإسلام وغاياته ومقاصده, فالإسلام دين مكارم الأخلاق , حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم): "إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ", فحيث يكون الصدقُ, والوفاءُ, والأمانةُ, والبرُ, وصلةُ الرحم, وكفُّ الأذى عن الناس, وإماطةُ الأذى عن الطريق, وإغاثةُ الملهوف، وتفريجُ كروب المكروبين, يكون صحيحَ الإسلام ومقصدَه, وحيث تجد الكذبَ والغدرَ, والخيانةَ, والفجورَ في الخصومة, والأثرةَ , والأنانيةَ, وضيقَ الصدر, فانفض يدك ممن يتصف بهذه الصفات ،واعلم أنهم عبءٌ ثقيل على الدين , لأنهم بهذه الأخلاق وتلك الصفات منفَّرون غيرُ مبشرين .
وأوضح أن السنة النبوية المطهرة ذاخرة بأمثلة لا تكاد تحصر من الفهم المقاصدي التي يجب أن يراعيه أهل الفقه والدعوة في كل زمان ومكان ، فمن ذلك ما رواه أَبِو هُرَيْرَةَ (رَضِيَ الله عَنْهُ) أَنَّ رَسُولَ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ : (لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَوْ عَلَى النَّاسِ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلاَةٍ)، فإذا كان القصد من السواك هو طهارة الفم والحفاظ على صحته , وعلى رائحته الطيبة، وإزالة أي آثار لأي رائحة كريهة مع حماية الأسنان وتقوية اللثة، فإن هذا المقصد كما يتحقق بعود السواك المأخوذ من شجر الأراك يتحقق بكل ما يحقق هذه الغاية، كالمعجون وفرشاة الأسنان ونحوهما، أما أن نتمسك بظاهر النص ونحصر الأمر حصرًا على عود السواك ، فهذا جمود في فهم النص ، فقد استخدم رسولنا (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه (رضوان الله عليهم) ما كان متيسرًا في زمانهم , ولو عاشوا إلى زماننا لاستخدموا أحدث ما توصل إليه العلم في سائر المجالات .
وذكر نموذجًا أخر روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) أَنَّ رَسُولَ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، قَالَ: (إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ، فَلْيَأْخُذْ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ، فَلْيَنْفُضْ بِهَا فِرَاشَهُ، وَلْيُسَمِّ اللهَ، فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا خَلَفَهُ بَعْدَهُ عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَضْطَجِعَ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَلْيَقُلْ: سُبْحَانَكَ اللهُمَّ رَبِّي بِكَ وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي، فَاغْفِرْ لَهَـا، وَإِنْ أَرْسَلْتَـهَـا فَاحْفَظْـهَـا بِمَا تَحْفَـظُ بِـهِ عِبَـادَكَ الصَّالِحِينَ). فيُسْتَحَبّ أَنْ يَنْفُض الإنسان فِرَاشه قَبْل أَنْ يأوي إليه بطرف ثوبه لِئَلَّا يَحْصُل فِي يَده مَكْرُوه ، ولـو وقفنا عند ظاهر النص فماذا يصنع من يلبس ثوبًا يصعب الأخذ بطرفه وإماطة الأذى عن مكان النوم به كأن يرتدي لباسًا عصريًّا لا يُمكّنه من ذلك. ولو نظرنا إلى المقصد الأسمى وهو تنظيف مكان النوم والتأكد من خُلوِّهِ مما يمكن أن يسبب للإنسان أي أذى من حشرة أو نحوها، لأدركنا أن الإنسان يمكن أن يفعل ذلك بأي آلة عصرية تحقق المقصد وتفي بالغرض من منفضة أو مكنسة أو نحوهما، فالعبرة ليست بإمساك طرف الثوب، وإنما بما يتحقق به نظافة المكان والتأكد من خُلوِّهِ مما يمكن أن يسبب الأذى للإنسان .
ومن ذلك أيضًا ما رواه عَبْدُ الله بْنِ عُمَرَ (رَضِيَ الله عَنْهُمَا)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ، لَمْ يَنْظُرِ الله إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ) فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ أَحَدَ شِقَّيْ ثَوْبِي يَسْتَرْخِي، إِلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (إِنَّكَ لَسْتَ تَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَلاَءَ) ، فالعلة التي بُني عليها النهي عن طول الثياب هي الخيلاء، التي تعني الكبر والبطر والاستعلاء والتكبر على خلق الله (عز وجل) بطول الثياب الذي كان يعد آنذاك مظهرًا من مظاهر الثراء والسعة ، فمتى وجدت الخيلاء كان النهي والتحريم، ومتى زالت الخيلاء زالت علة النهي والتحريم ، وما دام التقييد قد ورد في الحديث تؤكد أن النهي عن الإسبال متعلق بالخيلاء كانت هذه هي علة النهي والإثم لا مجرد طول الثياب.

المصدر صدى البلد