الخميس , أكتوبر 29 2020

صرخات “السلام 98”.. معاناة النجاة تكتب فصلا آخر من رواية الرعب

غرق سفينة

غرق سفينة

الكل يتخذ جلسته الطبيعية على متن عبّارة عملاقة لُقبت بـ"السلام 98" اسمها كان بالنسبة لركابها بشرى بقرب حضنٍ عائلي دافئ يعوض مرارة الغربة وأمنة، في رحاب الوطن، من بعد خوف، غير أن لحظة من الزمن كانت كافية بقلب كل الأحلام على رؤوس أصحابها، فالعبّارة فجأة أصبحت أشبه بحطام يسير في جوف الظلام، ترتطم الأمواج بمقدمتها العريضة، الهدوء يسود المكان إلا من صوت هدير الأمواج المتلاحقة التي تدفعها العبارة.

الليل ألقى عباءته السوداء على كل شئ، لم يكسره إلا ضوء النيران المشتعلة بين الركاب الذين حملوا أحلامهم في حقائبهم وصعدوا على متن عبّارة سبحت بهم في الليل لنحو ساعة معلنة نهاية الرحلة في منتصف البحر، لتتعالى ألسنة النيران حتى طالت أحلامهم في العودة، وتتجرد "السلام 98" من كل معانى اسمها الذي تحول لعنوان مأساة يفوح منها رائحة الموت.

14 عاما مرت على غرق العبّارة "السلام 98"، في 2 فبراير 2006، اختفت على بعد أميال من مدينة الغردقة، حاملة 1415 مسافرا و98 من طاقم السفينة، وبينما هي في طريق عودتها إلى مصر قادمة من السعودية، نشب حريق في غرفة محرك السفينة وانتشرت النيران بسرعة فائقة، وباءت محاولات طاقم السفينة في إخماد النيران بالفشل، وراح ضحية الحادث 1032 راكبا، بالإضافة لعشرات المفقودين، فيما نجا نحو 388 راكبا.

يجلس ركاب العبارة يفكرون في أحلامهم وأقاربهم الذين ينتظرونهم على الشاطئ، يشتاق كلًا منهم إلى الآخر، حتى سادت حركة غير عادية بعد نحو ساعة من إقلاع الباخرة من ميناء ضباء السعودي عكرت من صفو ركابها، طاقم عمل السفينة يتحرك بخطوات مسرعة غير معتادة، الكل يهرول هنا وهناك والتوتر وجوههم، الدقائق تمر والخلل في أتزان السفية أضحي واضحا، قبل أن يخرج دخان الحريق الأسود من باطنها ليختلط بالليل الأسود، لتصل رائحته لأنوف الركاب قبل أعينهم، وهنا يدركون المأساة التي تحيط بهم.

الشاب الناجي: حاولت المشاركة في إطفاء حريق العبارة لكن دون فائدة

تملك الفضول من الشاب السكندري أحمد محمد عليوه لمعرفة ما يحدث على العبّارة، فكان عائدا إلى زوجته وأبنائه بعد رحلة عمل في السعودية كسائق بموسم الحج، ليتوجه إلى الربان ويعلم منه ما سر الحركة غير العادية التي باتت تؤثر على اتزان العبارة، "قال لي إن فيه حريق في الجراج ويعمل الطاقم لإطفائه"، ليبادر الشاب العشريني بالمساعدة، وظل يساعد في محاولة إخماد الحريق رفقة فريق العمل المتواجد على متنها.

ما يقرب من ساعة كاملة قضاها "عليوه" لإطفاء ذلك الحريق دون فائدة، يمر الوقت ويزداد ميل السفينة على الجانب الأيمن، ليعود مرة آخرى ربان السفينة ليخبره أنه لا حل في إطفاء الحريق، "طلب مني نقل الركاب من الجانب الأيمن إلى الجانب الشمال لعمل توازن في المركب في ظل ميلها".

"المركب بتغرق يا قبطان".. على عمق 920 مترا تحت سطح البحر، عثر على الصندوق الأسود للعبّارة، لتحكي أصوات طاقم العبّارة والركاب لحظات الرعب والموت، فتتعالى أصوات الاستغاثات الركاب، وربان السفينة يتحدث مع قبطان خارجي، ويصرخ في محاولة لإيجاد حل، "المركب بتسكع مننا، شوفلنا أي حل"، ليرد بصوت تكسره قلة الحيلة "استحملو شوية وهدوا الناس"، قبل أن يفقد المتصل والمتلقي الأمل بعدما صرخ مساعد الربان "المركب غرقت خلاص يا قبطان"، معلنًا عن كارثة السلام 98.

داخل مطعم العبّارة يجتمع الركاب، وقلوبهم تذوب حسرة، وأعصاب الرجال حتى العواجز ترتجف خوفا، فالكل لا يعرف سوى الحركات غير الطبيعية التي تتعرض لها الباخرة، وحاول "عليوة" توجيه الركاب للجانب الأيسر من العبارة، "محدش كان فاهم حاجة بما فيهم أنا، وبالفعل الركاب اتجهت في شمال المركب أملا في اتزانها".

العبّارة تصارع الموج، تتمايل كمقاتل تلقى ضربة قوية على رأسه، تقاتل المجهول وتميل على جانبها معلنة استسلامها لتسلل المياه لها، كتسلل الروح في أثناء خروجها من الجسد، صراخ المسافرين يشق سكون البحر دون مجيب، الحناجر تتشقق وتنزف والألم يزداد ولا يجيبهم إلا رعب الصمت، المياه ترتفع أكثر لتصل لأعلى من مستوى الركبة.

بعينين يملأهما الرعب وقف "عليوة" بأعلى نقطة في العبارة قبل غرقها ينظر لظلام البحر لا يعلم ماذا يفعل، إلا أن الإجابة كانت واحدة "لابد أن أقفز"، قفز "عليوة" لتمر اللحظات من سطح السفينة إلى البحر كأنها دهرا واللحظات التي غطته فيها المياه حتى خروج رأسه منها للتنفس كمن كان في قبر.

يرتعد جسد "عليوة" من برودة المياه، ينظر حوله فلا يرى إلا الظلام، وضوء خافت هو آخر ما تبقى من العبارة من ملامح قبل أن تغوص في باطن البحر، حينها التفت تجاه صوت بكاء طفلة وحيدة تصارع الموج بسترتها الواقية، كانت في عمر السادسة تقريبا، تتحكم المياه في جسدها الضعيف وتحركها في كل الاتجاهات، ليحاول الاقتراب منها.

طفلة ذات عينين زجاجيتين، نظراتها خاوية غير قادرة على التركيز من كثرة البكاء، رأسها منخفض وفمها تحت مستوى الماء كأنما ثقلا وضع على رأسها يدفعها للأسفل، شعرها المبلل منسدلا فوق جبينها وأعينها كأنما قضبان محبوسة خلفها، هكذا بدى حال الطفلة.

قارب إنقاذ يعطي قبلة الحياة لطفلة حملها الشاب المصري لساعتين

لأكثر من ساعة ظل الشاب السكندري يحمل الفتاة الصغيرة على ظهره، تتشبث به وذراعاها الصغيران يلتفان حول كتفيه، حتى وجد قاربا للنجاة على متنه أعداد مضاعفة من طاقته الاستيعابية، حاول أن يكون أحد ركاب ذلك القارب بجوار قبطان العبارة، إلا أنهم رفضوا أن يتواجد بجانبهم، "طلبت منهم ياخدو البنت ويتركوني، وبالفعل خدوها معاهم".

في ذلك المكان النائي الواقع على بعد 57 ميلا من مدينة الغردقة، قضى "عليوه" ليلته وحيدا، لا يرى شيئا فالبحر يمتد واسعا عريضا لا يكاد البصر يصل مداه، تمر الدقائق عليه كزمن، عاجزا عن التفكير أو تصديق ما شاهدته عيناه، صورة زوجته وأبنائه لا تفارقه، تراوده الأحلام والأمنيات التي كانت الأسرة تحلم ببنائها سويا.

مع ظهور أول ضوء شاهد الناجي من الحادث، أمواجا من الجثث الطافية على سطح المياه، بينهم زملاء العمل وأصدقاء الرحلة المشؤومة الذين تعرف عليهم على العبارة الغارقة، "كل واحد فينا كان عنده حلم عايز يحققه لما يرجع لأسرته"، منهم من كان يريد شراء منزل جديد، وآخر يرغب بالعودة مع والدته ليعينها على أداء العمرة.

23 ساعة قضاها "عليوة" داخل المياه وحيدا، حتى جاءت إحدى مراكب الإنقاذ لانتشاله، فألقى براية المعافرة واستسلم بهدوء للأيد الممدودة إليه، قبل أن يُنقل إلى مستشفى الغردقة، ليتلقى العلاج بها على مدار يومين، حرص خلالهما الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك على زيارته ضمن الناجين من الحادث، كما وجهت السفارة السعودية الشكر له وتكريمه لإنقاذه الفتاة التي اتضح أنها سعودية الجنسية وفقدت والديها في العبّارة.

مايو الماضي، أصدرت محكمة العدل الأوروبية قرارها برفض دفاع قدمته شركتان مقرهما جنوة بإيطاليا، مما يفيد بأن العبارة المصرية، إيطالية الصنع، السلام 98، لم تكن صالحة للإبحار، ذلك القرار الذي يمكن الناجين وأقارب الضحايا من أن يقدموا دعاوى للحصول على تعويضات.

المصدر الوطن