الأربعاء , أكتوبر 21 2020

باالصور..الراهبات شهادة حيّة للمسيح على الأرض

"كرم الزيتون" أحد أحياء بيروت في منطقة الأشرفيّة. الشوارع ضيقة وتتسبّب السيّارات والمارّة بزحمة سير خانقة، خاصّة أمام مستوصف "راهبات المحبّة" حيث تقوم جمعيّة "عون الكنيسة المتألّمة" (AED) حاليًا بدعم 350 عائلة متضرّرة من الانفجار الذي عصف بالمدينة في الرابع من آب الفائت.
كان حيّ “كرم الزيتون” يسكنه أصلًا الأرمن الذين فرّوا من الإبادة الجماعيّة في العام 1915. وبعدها قدم السوريّون والفلسطينيّون الذين فرّوا هم أيضًا من الحرب والاضطهاد. وفي السنوات الأخيرة، وجد مهاجرون من العديد من البلدان، ومعظمهم من الإثيوبيّين والبنغلادشيّين، ملجأ في هذا الحيّ المسيحيّ الفقير. ويتميّز هذا الحيّ بالمنازل المكتظّة التي يعود تاريخها إلى مائة عام في هذه الأزقّة المتعرّجة. ومع هذه الطفرة السكنيّة، تم بناء ناطحات السحاب حول “كرم الزيتون”، ما أدّى إلى ارتفاع الأسعار بشكل كبير ودفع الشباب إلى الانتقال إلى مناطق أخرى حيث الأسعار معقولة. وبالتالي، لم يبقَ في “كرم الزيتون” سوى المسنّين والمهاجرين.

يتجمّع الكثيرون حول الباب الأماميّ الصغير لمركز حماية الأمّ والطفل الذي تأسّس في العام 1959، وهو أحد المواقع الستّة التي يتم فيها توزيع صناديق المساعدات الطارئة من جمعيّة عون الكنيسة المتألّمة في الأسابيع الأخيرة على الأسر المتضرّرة من انفجار الرابع من آب التي يصل عددها إلى أكثر من 5800 أسرة. وتتولى راهبات المحبّة توزيعها على 350 أسرة. واليوم، ثمّة 70 طردًا للتوزيع. وتجدر الإشارة إلى أنّ المساعدة تشمل صندوقين يزوّدان خمسة أشخاص بالطعام لمدّة شهر. وبما أنّ الصناديق ثقيلة إذ يزن كلّ منها 32 كيلوغراماً، يأتي العديد من المستفيدين مع عربات أو في سيّارات أقاربهم أو معارفهم. ونتيجة لذلك، أصبحت حركة المرور اليوم كثيفة في شوارع كرم الزيتون الضيّقة.
منى من بين الأشخاص الذين يزورون المستوصف، وهي امرأة لبنانيّة تبلغ من العمر 52 عامًا. تعيش منى مع والدتها جوليات البالغة من العمر 91 عامًا والتي عاشت ما لا يقلّ عن خمسة أو ستّة حروب حسبما تتذكّر. وتقول منى لجمعيّة عون الكنيسة المتألّمة أنّها “مصدومة منذ انفجار الرابع من آب ومذعورة جرّاء هذه الفوضى العارمة”.

في بلد يغيب فيه ضمان الشيخوخة، الأبناء هم من يلبّون احتياجات والديهم أو أفراد أسرهم المرضى. ولكن مع الأزمة الاقتصاديّة وفيروس كورونا والآن هذا الانفجار، بات من المستحيل تلبية هذه الاحتياجات. فمنى عاطلة عن العمل منذ خمس سنوات. وقبل الأزمة، ساعدها أحد إخوتها بمبلغ 300 ألف ليرة لبنانيّة شهريًّا، أي ما يعادل 200 دولار، ولكن بسبب التضخّم أصبح هذا المبلغ الآن لا يساوي أكثر من 40 دولارًا. وبالإضافة إلى ذلك، يعاني شقيقها هو أيضًا “صعوبات في رعاية أسرته”.
وتقول منى: “في عام 1990، انفجر صاروخ في منزلي وقتل أختي. عانيت الاكتئاب، لكن الإيمان ساعدني. بدون إيمان لا يمكننا الاستمرار، فهو الذي يساعدنا على التعامل مع الوضع الحاليّ وهو كل ما تبقّى لدينا”. وتضيف: “تأتي الأخت ريتا دائمًا عندما نحتاج إليها، حتى لو بعد حين. على الرغم من أنّها دائمًا ما تكون منشغلة جدًا، إلا أنّها دائمًا ما تجد بعض وقت الفراغ لنا. بالنسبة إليّ، إنها الشهادة الحيّة للمسيح على الأرض”.
وتنتمي الأخت ريتا، التي تذكرها منى وجوليات في جميع جملهما تقريبًا، إلى رهبنة القدّيس فانسان دي بول وهي من يدير المستوصف. وعلى الرغم من النشاط الجنونيّ، تمكّنت من إيجاد بعض الوقت للتحدّث إلى جمعيّة عون الكنيسة المتألّمة، فقالت: “الوضع هنا مأساويّ لأن الناس ليس لديهم شيء”. فقد تضاعف عدد العائلات التي تتم رعايتها في مستوصف راهبات المحبّة أربع مرّات تقريبًا. وتشرح الراهبة اللبنانيّة: “في السابق، كان هناك 120 عائلة، أمّا الآن فأصبح عدد العائلات 500 في الشهر”. بالإضافة إلى المتطوّعين الذين يجهّزون المواد الغذائية للتوزيع اليوم، هناك عمّال يرمّمون المستوصف الذي تضرّر من جرّاء الانفجار. فقد دمّر هذا الأخير جميع النوافذ وأجزاء من السقف “لكن علينا مواصلة العمل. لذلك، وجدنا شخصًا ما مستعدّ لإصلاحها على الرغم من أنّنا لا نستطيع حاليًّا دفع أجره”، بحسب الأخت ريتا.
بين الصناديق التي تحمل شعار جمعيّة عون الكنيسة المتألّمة والتي تتراكم عند المدخل، نرى صليبًا معلّقًا على الحائط مع جملة بالفرنسيّة: “أنتم دليل رحمة الله”. وهذا يلخّص عمل هؤلاء الراهبات الذي تصفه الأخت ريتا على النحو التالي: “مهمّتنا هي تخفيف آلام المسيح الذي يتألّم على الأرض ونريد أن نخدم الله وأن نكون شاهدات له، خاصّة في هذه الفترة الصعب التي نمرّ بها”.
رافقت الأخت ريتا الجمعيّة شخصيًّا في زيارة لنبيل وهو مستفيد آخر من برنامج المساعدات الطارئة من جمعيّة عون الكنيسة المتألّمة عقب الانفجار. نبيل يبلغ من العمر 56 عامًا. وهو ابن وحيد في أسرته وقد ولد بإعاقة جسديّة. نُقلت والدته إلى المستشفى وتهتمّ به جارته مارال أثناء غياب أمّه. وتقدّم الراهبات أيضًا مساعدة له ليمضي نهاره. تحيي الأخت ريتا نبيل وتتحدّث معه وتصلّي معه. وتقول إنّ عندما وقع الانفجار، “سقطت جميع النوافذ الزجاجيّة عليه ونجا بأعجوبة…”.
عندما نرى حال نبيل، نفهم ما تؤكده بحزم الأخت جوزفين، وهي إحدى الراهبات تعمل في المركز، أنّ الكثير من الناس يرغب في الهجرة: “إنّه الوقت المناسب لوجودنا هنا ولمساندة شعبنا. الجميع هنا يعاني مشكلة ما”. وتذكرنا الأخت ريتا ذات النظرة المليئة بالإصرار على الرغم من الحزن والتعب: “قال البابا يوحنا بولس الثاني إنّ لبنان رسالة وإنّ للمسيحيين دور مهمّ في هذا البلد، واليوم الذي ننسى فيه هذه الرسالة، يزول لبنان”.
نفلا عن اليتيا